علي بن يوسف القفطي

366

إنباه الرواة على أنباه النحاة

فقلت : يا أمير المؤمنين ، على الخبير سقطت ! خرجت من أهلي أريد ديار قرائب لي ، ومعي ناقة أركبها ، إذ ندّت فذهبت ، فجعلت أتبعها حتى أمسيت ؛ فأدركتها ونظرت ؛ فإذا خيمة أعرابيّ فأتيتها ، فقالت ربّة الخباء : من أنت ! فقلت : ضيف ، قالت : وما يصنع الضيف عندنا ! إن الصحراء لواسعة ، ثم قامت إلى برّ فطحنته ، ثم عجنت وخبزت ، ثم قعدت فأكلت ، ولم ألبث أن أقبل زوجها معه ابن ، فسلَّم ثم قال : من الرجل ؟ فقلت : ضيف ، حيّاك اللَّه ! ثم قال : يا فلانة ، ما أطعمت ضيفك شيئا ؟ قالت : نعم ، فدخل الخباء فملأ قعبا من لبن ، ثم أتاني به ، فقال لي : اشرب ، فشربت شرابا هنيئا ، فقال : ما أراك أكلت شيئا ! وما أراها أطعمتك ، فقلت : لا واللَّه ، فدخل عليها مغضبا فقال : ويلك ! أكلت وتركت ضيفك ! قالت : وما أصنع به ! أطعمه طعامي ! وجاراها الكلام حتى شجّها ؛ ثم أخذ شفرة ؛ وخرج إلى ناقتي فنحرها ، فقلت : ما صنعت عافاك اللَّه ! فقال : لا واللَّه ما يبيت ضيفي جائعا ؛ ثم جمع حطبا وأجّج نارا ، وأقبل يكبّب ( 1 ) ويطعمنى ، ويأكل ويلقى إليها ، ويقول : كلى لا أطعمك اللَّه ! حتى إذا أصبح تركني ومضى ؛ فقعدت مغموما ، فلما تعالى الظهر أقبل ومعه بعير ما يسأم الناظر أن ينظر إليه ، فقال : هذا مكان ناقتك ؛ ثم زوّدنى من ذلك اللحم ومما حضره . وخرجت من عنده فضمّنى الليل إلى خباء ؛ فسلَّمت فردّت صاحبة الخباء السلام وقالت : من الرجل ؟ فقلت : ضيف ، فقالت : مرحبا بك وحياك اللَّه ! عافاك اللَّه ! فنزلت فعمدت إلى برّ فطحنته ثم عجنته ، ثم اختبزت خبزة ( 2 ) روتها بالزّبد واللبن ثم وضعتها بين يدي ، وقالت : كل واعذر ، فلم ألبث أن أقبل أعرابيّ كريه الوجه ، فسلم فرددت عليه السلام ، فقال : من الرجل ؟ فقلت : ضيف ، قال :

--> ( 1 ) التكبيب : عمل اللحم شرايح . ( 2 ) الخبزة : عجين يوضع في الحلة حتى ينضج .